محمد الغزالي

59

فقه السيرة ( الغزالي )

[ نسب النبي صلى اللّه عليه وسلم ومولده ورضاعه ] [ نسبه ومكانته في قومه ] : ولد محمد صلى اللّه عليه وسلم من أسرة زاكية المعدن ، نبيلة النسب ، جمعت خلاصة ما في العرب من فضائل ، وترفعت عما يشينهم من أوضار ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن نفسه : « إنّ اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم » « 1 » . وعراقة الأصل لا تمنح الرجل الفاشل فضلا ، كالصلب إذا ترك للصدأ ، يمسي لا غناء فيه ، أما إذا تعهدته اليد الصنّاع فإنها تبدع منه الكثير . ولذلك لما سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم : أيّ الناس أكرم ؟ قال : « . . . فعن معادن العرب تسألوني ؟ » قالوا : نعم ، قال : « فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » « 2 » . وكان منبت محمد صلى اللّه عليه وسلم في أسرة لها شأنها ، بعض ما أعد اللّه لرسالته من نجاح ؛ فالمجتمع العربي الأول كان يقوم على العصبيات القبلية الحادة ، العصبيات التي تفنى القبيلة كلها دفاعا عن كرامتها الخاصة ، وكرامة من يمتّ إليها . وقد ظلّ الإسلام حينا من الدهر يعيش في حمى هذه التقاليد المرعية حتى استغنى بنفسه كما تستغني الشجرة عما يحملها بعد ما تغلظ وتستوي . . . وكان ( لوط ) عليه السّلام يتمنّى شيئا من هذه التقاليد ، عندما أحسّ الخطر على الأضياف النازلين به ، ولم يجد عشيرة تدفع أو أهلا تهيجهم الحمية ، فقال لقومه :

--> ( 1 ) حديث صحيح : أخرجه مسلم : 7 / 58 ، من حديث واثلة بن الأسقع ؛ وصحّحه الترمذي : 4 / 292 . ( 2 ) حديث صحيح : أخرجه البخاري : 6 / 412 - 413 ؛ ومسلم : 7 / 181 ، من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .